شريط الأخبار
 

العجارمة يكتب : العلاقة ما بين مجلس التعليم العالي والجامعات الرسمية: رقابة ام وصاية ؟

الوقائع الاخبارية :د.نوفان العجارمة

لقد اخذ النظام القانوني الاردني ومنذ تأسيس الدولة بنوعين من اللامركزية : الاول: يعرف باللامركزية الإقليمية (أي على اساس جغرافي كالبلديات ومجالس المحافظات) والثاني : اللامركزية المرفقية او المصلحية وهي طبقت على شكل انشاء مؤسسات عامة بقانون وقد تم منحها الاستقلال المالي والاداري كالجامعات .

والسؤال الذي يطرح نفسه في المقام :حول طبيعة العلاقة ما بين هذه الجامعات من جهة و الحكومة المركزية ممثل بمعالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي و مجلس التعليم من جهة اخرى، فهل هي علاقة رقابة بحيث يملك مجلس التعليم العالي ان يتخذ ما يشاء من قرارات بشان ادارة العمل الاكاديمي لهذه الجامعات و هل يملك ايضاً سحب او الغاء او تعديل أي قرار يصدر عن هذه الجامعات او أي من مجالسها؟ ام ان دور مجلس التعليم العالي هو دور وصائي فقط يملك المصادقة او عدم المصادفة على بعض القرارات التي ترفع اليه من الجامعات اذا كان ثمة نص قانوني يوجب رفع مثل هذه القرارات اليه ؟؟ ام ان الرقابة تأخذ كل من هاتين الصورتين ؟
وللإجابة على هذا السؤال ابين الاتي :

اولاً: تٌعد اللامركزية المرفقية (المؤسسات العامة) ضرورة حتمية لعجز الدولة عن القيام بمختلف أوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي التي أملتها عليها المذاهب الاقتصادية والادارية المختلفة والتي منها مذهب الاقتصاد الموجه في العصر الحديث، فهي تٌعد في الواقع أسلوباً متطوراً من أساليب التنظيم الإداري في الدولة، إذ تقوم على أساس منح بعض المرافق العامة الحكومية (كالجامعات) - والتي لا تتلاءم طبيعتها مع الأسلوب الحكومي المركزي في الإدارة - الشخصية المعنوية والاستقلال الذاتي في مباشرة نشاطها بطرق وأساليب تتلاءم مع طبيعة ونوعية هذا النشاط.

ثانياً: مهما بلغت درجة استقلال هذه الأشخاص الاعتبارية العامة (كالجامعات) في مباشرة ما يعهد به إليها من نشاط إداري، فإن هذا الاستقلال لن يكون مطلقاً وإلا تعرضت وحدة الدولة وسلامة كيانها للتمزق والخطر وخرجنا بالتالي من نطاق الإدارة المحلية أو اللامركزية الإدارية إلى نطاق اللامركزية السياسية- مع ما بينهما من اختلافات جوهرية - ولكن يجب أن نشير من ناحية أخرى، الى أن الرقابة او الاشراف على الجامعات لا تباشر بشكل يشل فاعليتها عند قيامها بواجباتها ، أي أن هذه الرقابة يجب أن لا تعتبر قيداً على حريتها أو معوقاً لها في أدائها لأعمالها، ولهذا فهي لا تمارس إلا طبقاً لنص قانوني يبين طرقها ويحدد أطرها فهي في الواقع بمثابة استثناء على الأصل العام والمتمثل في استقلالها ، ذلك الاستقلال الذي يعتبر دعامة من أهم دعائم وجودها. فالرقابة من لوازم الطبيعة البشرية، حتى الأديان التي رسمت منهجاً سوياً للحياة تركت للإنسان حرية الاختيار بينه وبين نقيضه، رأت من موجبات الالتزام الذي فرضته أن تشعر المرء بالرقابة الالهية عليه، رقابة مستمرة لا تكل ولا تغفل فسنت الصلوات والعبادات، لتكفل بإقامتها استمرار الشعور في وجدان كل إنسان، فإذا كانت الرقابة على هذا النحو لازمة في ميدان الحياة فهي في ميدان النشاط الحكومي ألزم وأوجب.

ثالثاً : وتتمثل رقابة الحكومة المركزية او من يمثلها - على الجامعات - بمجموعة الصلاحيات التي يقررها القانون للسلطة المركزية لمباشرتها على أشخاص وأعمال تلك المؤسسات(الجامعات) بقصد حماية المصلحة العامة ، فسلطة الرقابة ما هي إلا نوع من الاختصاص تبين القوانين و الأنظمة مداه وكيفية ممارسته، من هنا يجب أن تمارس هذه الرقابة في حدود القوانين و الأنظمة المنظمة لها ابتغاء تحقيق الصالح العام وإلا أصبحت مشوبة بعيب مخالفة القانون أو إساءة استعمال السلطة وبالتالي جديرة بالإلغاء. وعلى أي حال، فان هذه الرقابة تأخذ أحد المظهرين التاليين:

الأول: رقابة على شخوص الكوادر الوظيفية للجامعات : وبالرجوع الى قانوني الجامعات والتعليم العالي لم نجدا نصاً يخول مجلس التعليم العالي بممارسة أي نوع من هذه الرقابة باستثناء تعيين رئيس الجامعة او اعفاؤه من منصبه ، فهذا النوع من الرقابة أصبح من الناحية العملية مقيدة لدرجة تكاد تنعدم معها السلطة التقديرية لوزير التعليم العالي او مجلس التعليم العالي .اما المظهر الثاني: فيتمثل بالرقابة على أعمال الجامعات او بالأحرى اعمال رئيس الجامعة ومجالسها المختلفة ، فهذه الرقابة تتضمن صورتين:

الاولى : سابقة: على ممارسة هذه الأعمال وتأخذ في هذه الحالة أسلوب التوجيه والنصح والإرشاد وهذ الصورة من الرقابة تمارس بشكل فعلي من قبل مجلس التعليم العالي ومعالي وزير التعليم العالي باعتباره يمثل السياسة العامة للدولة في هذا القطاع وتهدف هذه الرقابة الارتقاء بمستوى الخدمات التعليمية التي تؤديها الجامعات، وتأخذ هذه الرقابة شكل تعليمات وقرارات عامة ومجردة. ومثل هذه التوجيهات لا تمثل سوى إجراءات إدارية داخلية أو أوامر مصلحية مرفقية أي لا تعد من قبيل القرارات الإدارية النهائية القابلة للطعن بالإلغاء .

الثانية: لاحقة: لاحقة على ممارسة هذه الاعمال وذلك من أجل التحقق والتثبت من مطابقتها للتشريعات الناظمة لها ، وتتمثل هذه الرقابة في حق مجلس التعليم العالي او معالي الوزير في إقرار الأعمال التي تصدر عن رؤساء الجامعات او اي من مجالسها أو إلغائها أو سحبها أو تعديلها أو تعديل آثارها، وأخيراً قد تتمثل ايضا في الحلول محلهم في أدائها. وتتم هذه الرقابة في الواقع وفقا لأحكام القانون ، أما تلقائياً وأما بناء على تظلم ممن أضيرت مصالحهم من جراء اتخاذ مثل هذه القرارات، وهي تقع سواء بسبب عدم الشرعية أي بسبب مخالفة التصرفات للتشريعات الصادرة في ظلها أم بسبب عدم ملاءمتها لسير العمل الإداري، وحتى ولو كانت مشروعة.

رابعاً : وعليه، وبالرجوع الى التشريعات الناظمة لعمل الجامعات الرسمية وتحديدا قانون الجامعات رقم (18) لسنة 2018 وقانون التعليم العالي والبحث العلمي رقم (17) لسنة 2018 نجد بان معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي و كذلك مجلس التعليم العالي الموقر لا يملك اتخاذ قرار بإلغاء أي قرار صادر عن مجلس عمداء الجامعات الرسمية يتعلق باي امر من الامور الأكاديمية لا سيما فيما يتعلق بعقد الاختبارات و منج الدرجات العلمية وللأسباب التالية:

1. لقد حدد المشرع في قانون التعليم العالي و البحث العلمي صلاحيات مجلس التعليم العالي في المادة (6) منه وعلى سبيل الحصر ، وقد اقتصرت صلاحيته فيما يتعلق بالجامعات الرسمية على(التنسيب إلى رئيس الوزراء بتعيين رؤساء مجالس أمناء الجامعات الأردنية الرسمية وأعضائها و لتنسيب بتعيين رؤساء الجامعات الأردنية الرسمية وفقاً لقانون الجامعات الأردنية النافذ) وبالتالي فان المشرع لم يمنح المجلس الموقر اي صلاحية تتعلق بسير العمل الاكاديمي للجامعات الرسمية .

2. بالرجوع الى المادة (19/ج/4) من قانون الجامعات الاردنية نجدها تنص على: يتولى مجلس الكلية المهام والصلاحيات التالية: اجراء الامتحانات في الكلية و الاشراف عليها ، ومناقشة نتائجها الواردة من الاقسام المختصة واتخاذ القرار المناسب بشأنها ، كما يتولى مجلس العمداء في الجامعة وبموجب المادة (16/ب/12) من قانون الجامعات : النظر في أي موضوع يتعلق بالعمل الاكاديمي في الجامعة . وبالتالي فان هذا الامر يخرج عن اختصاص معالي وزير التعليم العالي، لان النص على امر صريح هو استبعاد ضمني لغيره وفقا لقواعد تفسير القاعدة القانونية.

3. اقتصرت مجلس التعليم العالي على الموافقة على الاتفاقيات التعاون العلمي والاكاديمي التي تبرمها مؤسسات التعليم العالي الاردنية مع غيرها من المؤسسات غير الاردنية ، كذلك المصادقة على الموازنات السنوية والحسابات الختامية لمؤسسات التعليم العالي ومناقشة تقاريرها السنوية واصدار القرارات الازمة بشأنها .

4. لا يعتبر مجلس التعالي العالي احد مجالس الجامعة لغايات تطبيق احكام المادة (31) من قانون الجامعات والتي تنص على( يجوز الاعتراض على القرارات الصادرة عن أي مجلس إلـى المجلس الذي يعلوه مرتبة ويكون القرار الصادر عنه قرارا نهائيا) فمجالس الجامعية هي مجلس الامناء ومجلس العمداء ومجلس الجامعة ومجالس الكليات ومجالس الاقسام . ومما يؤكد ما ذهبنا اليه هو ان المصدر التاريخي لهذا النص هو نص المادة (27) من قانون الجامعة الاردنية رقم (52) لسنة 1972 والتي تنص على: يجوز الاعتراض على القرارات الصادرة عن أي مجلس الى المجلس الذي يعلوه تسلسلا ً ويكون القرار الصادر عن المجلس المعترض إليه قراراً قطعيا ً غير قابل للطعن أمام أية جهة أخرى.

5. ان نص المادة (27) من قانون الجامعة الأردنية لسنة 1972 مازال ساري المفعول سندا لأحكام المادة (37) من قانون الجامعات لسنة2018 لأنه لا يتعارض مع القانون الاخير.

6. ان القرار المتخذ من مجلس العمداء يمكن الاعتراض عليه من صاحب المصلحة وبناء على تظلم خطي يقدم بهذا الخصوص الى المجلس الذي يعلوه مباشرة وهو مجلس الامناء وليس مجلس التعليم العالي .

7. سبق للمحكمة الإدارية العليا الموقرة وان قضت بان أي مهام أو صلاحيات تتعلق بالأعمال الأكاديمية للطلبة يقع ضمن اختصاص مجلس العمداء وليس من اختصاص مجلس التعالي العالي حيث تقول « ... باستقراء المادة (17/ب/12) من قانون الجامعات الأردنية وتعديلاته رقم (20) لسنة 2009 يتبين أن مجلس العمداء هو المختص بالأعمال الأكاديمية للطلبة بينما لم تتضمن مهام وصلاحيات مجلس التعليم العالي التي حددتها المادة (6) من قانون التعليم العالي والبحث العلمي وتعديلاته رقم (23) لسنة 2009 أي مهام أو صلاحيات تتعلق بالأعمال الأكاديمية للطلبة. وعليه فإن مجلس التعليم العالي يكون غير مختص بإصدار القرار المشكو منه الثاني ويتعين إلغاؤه لصدوره عن جهة غير مختصة، كما أنه لا يعتبر قراراً توكيدياً لصدوره عن جهة غير مختصة... » احكم المحكمة الادارية العليا الاردنية بالدعوى رقم 279/2017 ، تاريخ 2/11/2017.